عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
98
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
الفراق . فأما حسرة السباق : فإذا قام القائمون من قبورهم ركب الأبرار نجائب الأنوار ، وساروا إلى قصور من العز والجلال ، ورفعت لهم منازل المحبين ، وقدمت بين أيديهم نجائب المقربين ، وبقي المسبوق في جملة المحزونين ، فعند ذلك ينقطع فؤاده حسرة وتأسفا ، ويذوب ندامة وتلهفا . وأما فجعة الفراق : فعند تمييز الناس بالجمع والإفراق ؛ وذلك أن اللّه سبحانه وتعالى إذا جمع الخلق في صعيد واحد ، أمر ملكا ينادى : أيها المجرمون امتازوا ، إن المتقين قد فازوا ، وهو قوله تعالى ( وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ) ، فيميز الرجل من زوجته ، والولد من والديه ، والحبيب من حبيبه ، هذا يحمل مبجلا إلى جنات النعيم ، وهذا يساق مسلسلا مغلولا إلى عذاب الجحيم ، وقد طال منهم التلفت والوداع ، ودموعهم تجرى كالأنهار بفجعة الانقطاع ، وأنشدوا في البين والفراق : لو كنت ساعة بيننا ما بيننا * ورأيت كيف نكرر التوديعا لعلمت أن من الدموع محدثا * ورأيت من عتب الحديث دموعا قلت : وقد أبدلت هذا البيت الثاني ببيت يناسب فراق الآخرة وحال الباكين فيه فقلت : لعلمت أن من الدموع لأنهرا * تجرى وعاينت الدماء دموعا ( الحكاية الثانية والستون : عن مالك بن دينار رضي اللّه عنه ) قال : رأيت في بعض الأيام شابا عليه آثار الدعاء ونور الإجابة ، ودموعه تتساقط على وجهه فعرفته ، وكنت أعهده بالبصرة ذا نعمة ، فبكيت لما رأيت من حاله على تلك الصفة ، وبكى الآخر لما رآني وبدأني بالسلام وقال : يا مالك باللّه عليك إلا ذكرتني في وقت خلواتك ، وسألت اللّه لي التوبة والمغفرة لعله يرحمني ويغفر لي ، ثم أنشأ يقول : وعرض بذكرى حين تسمع زينب * وقل ليس يخلو ساعة منك باله عساها إذا ما مر ذكرى بسمعها * تقول فلان عندكم كيف حاله قال مالك رضي اللّه عنه : ثم ولى ودموعه تستبق ، فلما دخلت أشهر الحج توجهت إلى مكة ، فبينما أنا في المسجد الحرام إذ رأيت حلقة يجتمع الناس إليها ، وإذا بفتى يتضرع وقد قطع على الناس طوافهم بكثرة بكائه ، فوقفت عليه أنظر مع الناس إليه ، فإذا هو الرجل صاحبي ، فسررت به وسلمت عليه ، وقلت له الحمد